أضف إلى مختاراتك أضف إلى مختاراتك
الرابطة المحمدية للعلماء
    بحث
28 رمضان 1431 / 8 شتنبر 2010

نبوغ مغربي

خناثة بنت بكار..عنقاء الصحراء

إنها الفقيهة، العالمة، الأديبة، الأميرة خناثة بنت الشيخ بكار بن علي بن عبد الله المغافري الشنقيطي، زوج السلطان المولى إسماعيل مؤسس الدولة العلوية ومستشارته، وأم السلطان المولى عبد الله، وجدة السلطان العالم سيدي محمد بن عبد الله العلوي وأستاذته، والمشرفة على  تكوينه وتربيته.

كانت من العالمات اللائي أسهمن في حياة المغرب السياسية والفكرية، وهي بنت الشيخ بكار بن علي ابن عبد الله المغافري (جمع مغفر باللغة الحسانية ومعناه البطل الشهم).

تعود علاقة خناثة بالمولى إسماعيل إلى سنة 1089 هـ، حين غزا صحراء سوس، فبلغ كما ينقل الناصري في «الاستقصا»؛ آقا وطاطا وتيشيت وشنكيط وتخوم السودان، حين قدمت عليه وفود العرب من أهل الساحل والقبلة ومن دليم وبربوش والمغافرة، ووادي مطاع وجرار وغيرها من قبائل المعقل الذين أدوا طاعتهم، وكان في ذلك الوفد الشيخ بكار المغافري والد الحرة خناثة التي أهداها إلى السلطان فتزوجها ووصفها الناصري؛ بأنها كانت ذات جمال وفقه وأدب.

وقد استطاعت السيدة خناثة بنت بكار أن تتميز وسط البلاط العلوي بحظوتها العلمية والفقهية وبنسبها المغافري، التي تنحدر منه أيضا أم السلطان المولى إسماعيل" للا مباركة"، فنجد أنها تشربت تربية القصر الإسماعيلي، ففيه تعلمت وتثقفت، يذكر القادري في كتابه نشر المثاني، أن الشيخ المكي الدكالي هو الذي كان يصحح لها اللوح الذي تكتبه بيدها لحفظ كتاب الله تعالى.

كانت قارئة تحسن القراءات السبع، وعالمة بالحديث، لها تعليقات على كتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني وهي محفوظة في الخزانة الملكية بالرباط، كما عرف عنها غيرتها على العلماء، ويكفي أنها كانت سببا في نجاة الفقيه المفسر عمر لوقش التطواني ت 1149 هـ من عقاب ابنها السلطان المولى عبد الله إثر وشاية بعض المكناسيين.

وخلال سنة 1143هـ بعث السلطان المولى عبد الله ولده الأمير المولى محمد رفقة أمه السيدة خناثة بنت بكار إلى الديار المقدسة، وقد ضم موكبها عددا من العلماء والفقهاء، وينقل الناصري والضعيف الرباطي تفاصيل هذا الحدث الذي هيأ له المولى عبد الله جميع ما يحتاج في السفر إلى الحجاز.

 لقد كان للسيدة خناثة أدوارا سياسية كبيرة في تاريخ المغرب؛ خاصة خلال الفترة التي حكم فيها ابنها السلطان المولى عبد الله، حيث تعرضت للعديد من المضايقات والمحن من النفي إلى السجن والمطاردة والسلب، فمباشرة بعد العزل الأول للمولى عبد الله، ومبايعة أبو الحسن الأعرج على يد سالم الدكالي أحد كبار قواد جيش البخاري، فإن أول ما قام به السلطان هو إلقاء القبض على السيدة خناثة بنت بكار رفقة حفيدها سيدي محمد بن عبد الله، يقول الضعيف الرباطي: «فبعثت تطلب العلماء بعد أن دخل دارها واستولى على ما فيها... وطلبت أن يتكلموا في شأن حفيدها سيدي محمد على أن يخرجها من السجن لأنها امرأة مسنة واتقت أن يتكشف عليها من أجل الضيق، وادعت أيضا أن حفيدها صغير السن 13 سنة وما فعل ذنبا يستحق عليه العقوبة والسجن، وها أنا في السجن حتى يحكم الله بيني وبينه، ثم بعد ذلك تكلموا مع السلطان مولاي علي الأعرج فسرح حفيدها من السجن».

نفس الحدث سينقله الناصري في الاستقصا، يقول:« ولما استقر السلطان المولى أبو الحسن بمكناسة قدمت عليه الوفود ببيعتهم وهداياهم من جميع البلدان فأجازهم وفرق المال على الجيش إلى أن نفد ما عنده واحتاج فقبض على الحرة خناثة بنت بكار أم السلطان المولى عبد الله، فاستصفى ما عندها ثم امتحنها لتقر بما عسى أن تكون أخفته فلم يحصل على طائل، وكانت هذه الفعلة معدودة من هناته عفا الله عنه».

وخلال البيعة الثالثة للمولى عبد الله في 15 من ذي القعدة عام 1152هـ، وكان وقتها بمنطقة السراغنة حيث وفدت عليه القبائل بالبيعة من مكناس، حتى الأربعاء 29 من ربيع الأول من عام 1154هـ، يوم اتفق عبيد البخاري على خلعه ومبايعة المولى زين العابدين بن إسماعيل، ستعيش خناثة بنت بكار المغافري فصولا أخرى من تقلبات الأحداث السياسية بالمغرب، يقول الضعيف الرباطي: «وفي ضحوة يوم الخميس موافق ثلاثين من ربيع الأول عام 1154هـ جاءت خناثة بنت البكار هاربة من مكناسة الزيتون، ودخلت فاس الجديد خوفا على نفسها من العبيد لما سمعته من عزل ولدها، وفي الغد جاء ولدها السلطان المولى عبد الله من مكناسة هاربا ونزل برأس الماء وخرج إليه الودايا وأهل فاس، واستعطفهم كثيرا فأجابوه بنصره وفي القيام معه والقتال دونه وفرح بذلك غاية الفرح جاوز النهاية».

وقبل هذا الحدث بسنة أي في أواخر رمضان من عام 1153هـ، لعبت خناثة المغافرية دورا أساسيا في صلح السلطان المولى عبد الله مع قبائل الودايا، ويصف الضعيف الرباطي هذا الحادث بـ«الشفاعة» التي طلبتها خناثة من الودايا في حق مصالح ابنها السلطان.

أما الناصري في «الاستقصا» فيخصص فصلا صغيرا عن شغب العبيد على السلطان المولى عبد الله وحكاية فراره هو ووالدته خناثة، يقول: «لما كان شهر ربيع الأول من سنة 1154هـ، شغب العبيد على السلطان المولى عبد الله وهموا بخلعه والإيقاع به، فنذرت ذلك أمه الحرة خناثة بنت بكار، ففرت من مكناسة إلى فاس الجديد، وفي الغد تبعها ابنها السلطان... ونزل برأس الماء، فخرج إليه الودايا وأهل فاس وأجلوا مقدمه واهتزوا له، فاستعطفهم السلطان وقال لهم: «أنتم جيشي وعدتي ويميني وشمالي وأريد منكم أن تكونوا معي على كلمة واحدة».

وشكل جيش الودايا درعا سياسيا واجتماعيا لمكانة خناثة داخل نظم الدولة قبل وحتى بعد وفاة المولى إسماعيل، حتى إن مكانتها وتميزها جعلا أحد الإنجليز وهو جون ويندهاس يشير إليها في كتاباته سنة 1721 م، مشيرا إلى سبب علاقتها بالمولى إسماعيل، وواصفا رجوعها من عرب المعقل بقبائل المغافرة بالساقية الحمراء في موكب سلطاني يتكون من عشرين ألف رجل، وأضاف ويندهاس ما كانت تقوم به من تأثير على قرارات السلطان الذي كان يستشيرها في كثير من القضايا إلى درجة وصفها بالوزيرة الخاصة لزوجها المولى إسماعيل.

كما لعبت السيدة خناثة دورا بارزا في تثبيت اتفاقية السلام والتجارة التي وقعت بمكناس بين الإيالة الشريفة ودولة انجلترا في شخص سفيرها شارل ستيوارت خلال صيف سنة 1721م، نفس السفير كانت له مراسلات مع السيدة خناثة بخصوص طلب دعمها لهذه الاتفاقية، وبشأن التدخل لدى السلطان للإفراج عن عدد من الأسرى الإنجليز.

وقامت بحجتها التاريخية عام 1143 هجرية، وقام بتسجيل الرحلة الوزير أبو محمد عبد القادر الجيلاني الإسحاقي، والذي حرر للأميرة وبطلب منها فتوى بمكة المكرمة تجيز تملك العقار في البلد الحرام.
ويصف حج الأميرة "وصلت ليلة السادس ـ من ذي الحجة ـ إلى مكة المشرفة بعد العشاء وعليها السكينة مرفرفة، وهي في جلالة عظيمة وسيادة فخيمة، في محفل من الأجناد، وجمع من الأجواد، ولهم زجل بالتلبية والأدعية، فطافت طواف القدوم، وطلعت إلى دارها المكري المعلوم، ثم إنها طلعت إلى عرفات ولها دويّ بالتسبيح والتقديس، وكانت الوقفة يوم الخميس، ثم نزلت إلى منى فأقامت ثلاثة أيام وأكثرت من الهدي، وبذلت الشراب والطعام، ثم نفرت إلى مكة وجاءت بعمرة الإسلام، تكثر من الصدقات على الدوام، وبذلت بغير حصر، وأعطت عطاء من لا يخاف الفقر...".

توفيت هذه السيدة الكريمة رحمة الله عليها في جمادى الأولى عام 1159هـ ودفنت بروضة الأشراف من المدينة البيضاء بفاس الجديد.

المراجع:
1.    "المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي"، تأليف عبد الهادي التازي، بمساهمة مؤسسة فريدريك إيبرت، نشر الفنك، الطبعة الأولى، 1992.
2.     "الحركة الفقهية في عهد السلطان محمد بن عبد الله العلوي"، أحمد أمين العمراني، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1996.
3.     "المرأة الأمازيغية عبر التاريخ" مقال منشور بجريدة بيان اليوم 9/23/2005.
4.    النسخة المخطوطة من كتاب الإصابة التي تتضمن تعليقات السيدة خناثة بنت البكار، توجد بالخزانة الحسنية تحت رقم 5932.
5.    "الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية"، محمد الأخضر، الدار البيضاء، دار الرشاد الحديثة، الطبعة الأولى 1977.

تاريخ النشر : 29-06-2009

تعليقات القراء

ادريس ند

17-02-2010 19:42

نشكر لصاحب المساهة القيمة لابراز مزاي المراة المغربية.
إلا أنني كنت دائما أشير إلى عظمة هذه السيدة أثناء مناقشاتي مع بعض الزملاء ...خصوصا لصمودها أمام جبروت الجيش البخاري الذي عانت منه الأمرين مع ابنها الذي ولوه واخلعوه من الملك لخمس مرات...وتهيئة حفيدها مولاي محمد تهيئة محكمة...آتت أكلها لتخليص المغرب من فوضى الجيش المترد وتكالب الإسبان والبرتغال والانجليز على ثغور وسواحل المغرب، وفتح مصرعي البلاد أمام اختيارات الجهاد والتوحد .
فمثل هذه المراة أقل ما يقال عنها أنها حلقة السلالة العلوية الحديدية.
انظر تاريخ المغرب لإبراهيم حركات الجزء الثاني

أبو أنس السلفي الأثري

19-08-2009 15:14

السلام عليكم. إنه لمن دواعي السرور كوني أعد من حفدة العالمة االسلفية خناثة بنت بكار.

أرسل رسالة نوال الزاكي

01-07-2009 22:42

أشكر الساهرين على هذا المنبر الخاص برائدات مغربيات الذي أعطى المجال الأوسع لمعرفة طبقة من النساء المغربيات اللواتي هدرهن التاريخ فموضوع اليوم؛ وهو حناتة بنت بكار الحقيقة في منتهى التألق.

أرسل رسالة طه من البيضاء

01-07-2009 21:04

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فأريد أن أخص بقولي لمن قام بهذا البحث؛ إنه أتقن وأبدع وخص القارئ بمعلومات كافية عن خناثة بنت بكار. وشكرا.

تعليقك على الموضوع

الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعليق :

Visual Soft : تصميم وإنجاز VISUAL SOFT إنجاز :