"تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدين من القرآن"
تراثيات "جمعية تطاون أسمير" تُحقّق دراسة لأبي محمد لوقش التطواني
د. إدريس الشراوطي
إن التراث المخطوط الموجود اليوم على أرض المغرب ثروة وطنية، وإنسانية كبرى، فهو التقييد الذي يحتفظ بالحضور الفكري والتاريخي للمغرب خاصة، والعالم العربي الإسلامي عامة؛ ومعلوم أن التراث هو ما ورثناه عن الماضي الغابر، وما ينتمي إلى الماضي القريب أيضا.
وإذا كان الأجداد قد كتبوا، ووضعوا الأسس التي نقوم عليها، فإنه من الواجب علينا، وعلى من يأتي بعدنا، أن نهتم بما خلفوه لنا، وخاصة بإخراجه من ظلمة المخطوط، إلى نور المطبوع؛ "فقد تأخرنا، نحن المغاربة، في نشر التراث المغربي، قديمه وحديثه، تأخرا فاضحا، لا يليق بعراقة هذه الأمة، في الوقت الذي يقوم فيه المشارقة بنشر تراثهم وتراثنا، وينشر فيه الغربيون التراث العالمي، ويترجمونه، ويدرسونه، ليستفيدوا منه[1] ."
وإذا كان انعدام الوعي بأهمية المخطوط، وبقيمته الكبرى، عند العامة من الناس، وعند عدد من المؤسسات في المغرب، فإن فئة من الباحثين المختصين، قد أخذت على عاتقها الاعتناء بهذا التراث المخطوط، تحقيقا، وعناية، ودراسة، ونشرا، وإشرافا، وتنقيبا، فما لا يدرك كله، لا يترك جله، ومن أهم هؤلاء المختصين، الأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي، الذي يشتغل بالتراث المخطوط، في مختلف التخصصات:
ـ التاريخ: "عمدة الراوين، في تاريخ تطاوين، لأبي العباس، أحمد الرهوني، (توفي1353ﻫ)[2] ."
ـ التراجم: "التعريف بالتاودي ابن سودة"، و"رياض الورد، فيما انتمى إليه هذا الجوهر الفرد"، لأبي عبد الله، محمد الطالب ابن الحاج السلمي، (توفي 1273ﻫ).
ـ الأنساب: "الإشراف، على بعض من بفاس من مشاهير الأشراف" لأبي عبد الله، محمد الطالب ابن الحاج السلمي، (توفي 1273ﻫ).
ـ الفهارس: "النعيم المقيم، في ذكرى مدارس العلم، ومجالس التعليم"، لمحمد بن محمد المرير.
ـ الشعر: "دواوين" أبي الحسن الحرالي المراكشي، وابن حبّوس الفاسي (توفي 575ﻫ)، وأبي حفص الأغماتي السلمي (توفي 603ﻫ)، ومحمد بن محمد الحرّاق (توفي 1261ﻫ).
ـ نظرية المعرفة: "الأزهار الطيبة النشر، فيما يتعلق ببعض العلوم من المبادئ العشر"، لأبي عبد الله، محمد الطالب ابن الحاج السلمي.
وفي هذه السنة (1431ﻫ/2010م) أخرج إلى النور "تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدين من القرآن"، لأبي محمد، عبد الوهاب بن محمد لوقش التطواني، (توفي 1341ﻫ)، فماذا عن هذا الكتاب؟ ومن هو مؤلفه؟
1 المؤلف أبو محمد، عبد الوهاب بن محمد لوقش:
هو أبو محمد، عبد الوهاب بن محمد لوقش الأُموي الأندلسي التطواني، ولد بمدينة تطوان عام (1269ﻫ [3] /1853م)، ينتمي إلى أحد البيوتات التطوانية المغربية الأندلسية العريقة، بيت أولاد لوقش، المعروف بالوجاهة والسلطة السياسية، والعلم الذي تسلسل فيه طبقات بعد طبقات.
اشتغل عدلا[4] بمدينته، عُرف بالمعرفة الفقهية، والعمل الصوفي، والوجاهة الاجتماعية؛ وصلنا من مؤلفاته، كتاب "تفسير نصرة الإسلام"، و"تفسير الفاتحة"، و"شرح الحكم العطائية"، و"شرح ثمار الحقيقة الإيمانية الإحسانية، في شرح العينية الجيلانية القادرية". عُرف أيضا بنشاطه السياسي، حيث كان من أعضاء الحزب الحفيظي، المعارض وقتئذ للسلطان المولى عبد العزيز؛ وكان من الموالين لسياسة الجامعة العثمانية، التي تعني جمع كلمة المسلمين كافة تحت لواء الدولة العثمانية.
توفي عام[5] 1341ﻫ بمدينة طنجة، التي هاجر إليها بعدما احتلت إسبانيا مدينته تطوان.
2. كتاب "تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدين من القرآن"
جعل عبد الوهاب بن محمد لوقش لتفسيره عنوانا طويلا هو "تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدين من القرآن، وفي جمع كلمة المسلمين شرقا ومغربا على خليفة واحد للرسول صلى الله عليه والفرقان، مع تحقيق قراءات السبع، ونسبتها لشيوخها وما يسر الله، تبارك وتعالى من القراءات الخارجة عن السبع، وتوجيه ما يسر الله توجيهه، من ذلك إن شاء الله بحوله وقوته وفعله؛ إذ لا فاعل إلا هو، وحده لا شريك له سبحانه". وإذا كان العنوان، أي عنوان، إما ملخصا، أو مكملا، أو مؤطرا، أو مضللا، فقد جاء في هذا التفسير ملخصا لمضمون الكتاب، فالإسلام والإيمان والإحسان دلالة على التفسير الإشاري، فكل آية عنده تفهم من منظور "الإسلام"، ثم "الإيمان"، ثم "الإحسان"؛ و"وفي جمع كلمة المسلمين شرقا ومغربا على خليفة واحد للرسول، صلى الله عليه، والفرقان" دلالة على التفسير العثماني للقرآن الكريم، أي تفسير كتاب الله سبحانه على مبادئ سياسة الجامعة الإسلامية، فالشيخ عبد الوهاب لوقش موالٍ أشد الولاء للدولة العثمانية، فنصرة الإسلام عنده، معادلة لنصرة هذه الدولة، التي يرى فيها الخلاص من الاستعمار، وتوحيد المسلمين تحت راية واحدة؛ علما أن واقع الحال آنذاك يظهر أن هذه الدولة تُحْتَضَر.
لعل أول ملاحظة تجلب الانتباه هي أن هذا العمل تطواني صِرْف، فالمؤلف عبد الوهاب لوقش تطواني، والإشراف والاعتناء والتقديم للأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي التطواني، والناشر جمعية تطاون أسمير التطوانية، والطباعة بمطبعة الخليج العربي التطوانية؛ وهو أمر مستحب في مجال إخراج المخطوط إلى نور الطباعة، لأنه غالبا ما يحوي أسماء أعلام جغرافية وبشرية وأخبارا محلية، يصعب على من لم يتصل بالمحيط الاجتماعي أن يعرف دقائقها.
وصل عدد صفحاته إلى 254 صفحة، منها 35 صفحة في التقديم الذي وضعه له الأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي؛ والذي شمل العناصر الآتية:
التعريف بالمؤلف: وضع الأستاذ الدكتور تعريفا جيدا للمؤلف، وهو الأهم في جمع معلومات قيمة عنه، خاصة إذا علمنا أن كتب التراجم المغربية لم تترجم له إطلاقا، سوى ما ورد عنه عرضا في "عمدة الراوين" لأبي العباس الرهوني، وفي "على رأس الأربعين"، و"عائلات تطوان" لمحمد داوود.
وقد شمل هذا التعريف الوقوف عند المولد والطفولة، وبيت أولاد لوقش، ووالده "رجل الدنيا محمد بن عبد الوهاب لوقش (توفي 1320ﻫ)"، ودراسته، وعمله، وحجه، وتصوفه، ومؤلفاته، ونشاطه السياسي، ووفاته، وذريته وأهل بيته. وقد استغرق هذا التعريف 22 صفحة.
بعد هذا التعريف، انتقل الأستاذ الدكتور إلى التعريف بالكتاب، وتحدث فيه عن علم التفسير في المغرب الأقصى، وذلك ارتباطا بموضوع الكتاب، الذي هو تفسير القرآن الكريم، وعن نظرية العلم في المغرب وعلم التفسير، وخاصة عند العالمين الكبيرين، أبي علي، الحسن بن مسعود اليوسي (توفي 1102ﻫ)، وأبي عبد الله، محمد الطالب ابن الحاج السلمي (توفي 1273ﻫ).
بعد هذا توقف الأستاذ الدكتور عند الموضوع الذي اشتغل به عبد الوهاب بن محمد لوقش في تفسيره هذا، وهو الجمع بين التفسير والتصوف والسياسة، أي تفسير القرآن الكريم بناءا على مبادئ سياسة الجامعة الإسلامية، ولاسيما الدولة العثمانية، وبناءا على التفسير الإشاري، ذي المرجعية الشاذلية القادرية.
جعل عبد الوهاب بن محمد لوقش لتفسيره مقدمتين (المقدمة الأولى للفاتحة، والتقديم الثاني للفاتحة)، مثلما فعل العديد من العلماء المغاربة في مؤلفاتهم، فهذا أبو العباس، أحمد الرهوني جعل لكتابه "عمدة الراوين"[6] خمس مقدمات؛ وهذا محمد بن جعفر الكتاني وضع لكتابه "سلوة الأنفاس[7] " ثلاث مقدمات، وهذا عباس ابن إبراهيم المراكشي مهّد لكتابه "إظهار الكمال، في تتميم مناقب سبعة رجال[8] " بثلاث مقدمات كذلك.
استغرق هاتين المقدمتين ما يمكن تسميته بالتفسير العثماني للقرآن الكريم، أو تفسير القرآن الكريم بناءا على مبادئ سياسة الجامعة الإسلامية، وقد سبقت الإشارة إلى أن المؤلف من الموالين للدولة العثمانية، فنصرة الإسلام عنده معادلة لمفهوم نصرة الدولة العثمانية.
إن كتاب "تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدين من القرآن" ينتمي إلى ما يسمى التفسير الإشاري، مثلما فعل أبو العباس، أحمد بن محمد ابن عجيبة (توفي 1224ﻫ) في تفسيره "البحر المديد، في تفسير القرآن المجيد"، فقد طغى الجانب الإشاري على تفسيره، وكان التركيز الأكبر عليه، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إنه المراد في تفسيره، وعليه فإنا نجده يميل إلى الاختصار والتلخيص في جانب المنقول، بل متى ما استطرد في الحديث أثناء تفسيره بالظاهر، فإنه يلامس الجانب الإشاري، فينتبه، فيحيل على محل الإشارة؛ ولعل هذا راجع إلى أن عبد الوهاب لوقش تابع للطريقة الشاذلية الدرقاوية العجيبية، وهو ما يتضح بإدراجه لثمان وتسعين بيتا من القصيدة العينية الشهيرة للشيخ عبد القادر الجيلاني (توفي 561ﻫ)؛ كما يفسره الحضور القوي لأرباب العرفان فيه، مثل شيخه عبد القادر ابن عجيبة (توفي 1313ﻫ)، وعبد العزيز الدباغ (توفي 1132ﻫ)؛ بل إنه ضمنه شيئا من كلام المجاذيب.
فسر في هذا الجزء الأول من "تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدين من القرآن" الفاتحة، وسورة البقرة، التي قسمها ثمنا ثمنا.
عمل الأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي، والفريق المتعاون معه، الذي كونه من قدماء طلبته في سلك الدكتوراة على إثبات الآيات المفسرة باللون الأحمر، تمييزا لها عن التفسير، كما أوردها مشكولة مضبوطة، وهو عمل عوّدنا عليه الأستاذ الدكتور في كل أعماله، وخاصة التحقيقات، لأن "شكل النصوص غدا فرض عين على المحققين[9] ."

الهوامش
--------
1. مقدمة عمدة الراوين، في تاريخ تطاوين: 1/7-8.
2. حقق منه سبعة أجزاء.
3. عمدة الراوين: 3/226.
4. تاريخ تطوان: 10/204.
5. عمدة الراوين: 3/226.
6. عمدة الراوين: 1/56-67.
7. سلوة الأنفاس: 1/12.
8. إظهار الكمال، في تتميم مناقب سبعة رجال: 1/102.
9. الإشراف، على من بفاس من الأشراف: 1/38.
تاريخ النشر : 16-07-2010